السبت، 25 أغسطس 2012

المخطوفون والملثم الأبله

لف الشاب رأسه بقماشة سوداء. صنع قناعه بنفسه. لم يتقصد أن يبدو مضحكاً. أراد أن يكون مخيفاً أسوة برفاقه المسلحين. لكن الفتحات الثلاث في قناعه والتي على الارجح قصها على عجل، لم تلائم مواضع عينيه وفمه. ما رأيناه منه كان أسفل الجفنين وأعلى الخدين، بينما فتحة الفم في القناع مالت نزولاً ويساراً. صار يشبه دمية تقلد وجه ولد حزين. اقنعة رفاقه كانت عسكرية وفتحاتها محاكة بطريقة محترفة كي تبدو العيون عابسة. هو، في المقابل، بدا كأنما يسخر منهم. كان اقرب إلى مهرج يقف في الصف الخلفي متواطئاً مع المشاهدين على تقليد رفاقه من خلف ظهورهم. ممثل هزلي. 
لم يكن وحده الذي حول الحدث إلى مهزلة تكاد ترتقي إلى مصاف الفن الخالص. الفن للفن. 
لا يثير إلا الضحك، مشهد المخطوف النحيل الجالس على كنبة بيت، وخلفه يقف ملثمون موجهين الرشاشات إلى رأسه. كأنهم إن أزاحوا الفوهات عن جمجمته، استطاع ان يقفز وينتصر عليهم بقوة ساعديه، ويفر من مكان احتجازه. القابع في مكان اختطافه، يظهر مستسلماً بشدة ليس لخاطفه، بل لسوء حظه الذي أوقعه صدفة مع هؤلاء. يكاد لشدة المفارقة يبتسم متهكماً على نفسه. يكاد، لولا ارتعابه، يقع عن الكنبة ضاحكاً لغرابة اللحظة، ولفرط مبالغة الخاطفين في الاستقواء عليه، وترهيبه، واللعب بمصيره. كأن في ما يفعلون أقل غاية مفيدة لهم، لصورهم كرجال رجال. 
مع هؤلاء، وجيش مستعرضي اللحى والعضلات والرشاشات في الشمال جاء طوفان البلاهة. قبلهم، خرجت حكاية الوزير السابق العجيب وعبواته، لتقضي على أي منطق لبديهيات الأمور. 
بتنا مشرعين لكل احتمال. وحين تدب الفوضى، تطفو على السطح وجوه تبتسم ابتسامات مُلغزة، وتروح، على طريقة السياسيين والمحللين، وتوجه «رسائل» ذات أبعاد داخلية اقليمية ودولية. أناس بخطابات مُلاكة خالية من أي مضمون، تنهل من قاموس مفردات وتلميحات لم يكن لها اي معنى حين اخترعت، لكنها، بفعل الإيغال في الابتذال، باتت عامة. 
يصير الجميع على دراية معمقة بالحدث وأبعاده الاستراتيجية. ويفيض العنف. نتعرض، نحن الخائفين القاصرين عن ممارسة الحرب الاهلية، لدفق من الأفكار والقرارات والملثمين والوشوم على عضلات المقاتلين، يزيد على عقولنا، ولا نملك إزاءه إلا الدهشة المسلية. ففي نهاية الامر، هؤلاء المحللون والمسلحون النزقون البلهاء، الممتدون على مساحة البلد الصغير، هم من سيقرر مصيرنا. ونحن الجالسين على الكنبات في بيوتنا، نشعر بهم كأنهم ليسوا على الشاشات أمامنا، بل يقفون خلفنا، واضعين رشاشاتهم في رؤوسنا، وليس لنا إلا الضحك من الموقف الذي نحن فيه، والذي لا يمكن ان نجبر أنفسنا على الاستيقاظ منه، مع أنه كابوس. 
هكذا، سننفجر بالضحك من الشكل الأخرق للملثم الذي يشبه مهرجاً حزيناً، بينما هو يفرغ رصاصاته في جماجمنا.

السبت، 11 أغسطس 2012

"متأمرك"


الاستاذ الجامعي الذي كان يحاضر بطلاب دراسات عليا في الجامعة اللبنانية، كان مذهلاً. راح يسوق الاتهام تلو الآخر لأميركا، حتى بات كل الشر الذي يحيق بالعرب آتياً منها. بل بات أصل وجودها سحق العرب فحسب. 
قال إن خروجها إلى الفضاء كان وما زال لمراقبتنا. كل آتٍ منها، كالسينما والإعلام والموسيقى لغسل أدمغتنا، وجعلنا عاجزين عن مقاومتها. لتدمير «قيمنا» و«تقاليدنا». و«الانترنت» آخر اختراعاتها وأذكاها لمتابعة حربها علينا. للسيطرة على «عقولنا». لتنويمنا مغناطيسياً. لجعلنا أدواتها. 
خطابه ليس موجهاً ضد سياساتها الخارجية، بل ضدها كثقافة. وهو، على خبله، عتيق ومتجذر، يجتمع على تسويقه كما هو الأكاديمي والسياسي ورجل الدين والصحافي والمدّعي والوصولي والمتطرف يمينياً كان أم يسارياً. 
خطاب تختلط فيه المشاعر القبلية بالقومية بالبعثية بالإسلامية السياسية باليسارية البلهاء المصابة بالحنين ليس الى الاتحاد السوفياتي فحسب، بل إلى زمن الحديد الستاليني فيه. 
نشيد تام، قائم على رهاب عميق من كل ما هو أميركي، ما دام آتياً ليزرع فينا انحطاطه الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، يزرع فينا المخدرات والاستعمار معاً، يزرع الخنوع والاستسلام، فلا إباء يبقى ولا تبقى قيم ولا أخلاق ولا رجولة. 
خطاب يدّعي مؤامرة ثقافية يصير فيها «شعبنا» العربي عبداً لرجل أبيض شرير في طبعه، عنصري مقيت. 
فكر يرى إلى أميركا، بصفتها كلاًّ عدواً، ويرفضها بصفتها كذلك، كلاً وعدواً. وما دامت كذلك، ما دامت شيطاناً، فلا خطر منها على كينونته وعلى ماهيته. سيبقى كما هو ولن يتبدل. الخطر يأتي حين يفكك صورها. حين يعلم بأنها، بعكسه، تتعلم من أخطائها ومن تجاربها. انها، بعكسه، ملوّنة. انها، بعكسه، لم تصل إلى اليقين المطلق. ان منها تأتي الأشياء الكثيرة: الموسيقى والأدب والشعر والمسرح والسينما والفكر والعلم والتكنولوجيا والجامعات.. وحتى اليسار بأطياف ألوانه. 
خطاب يرى في هجرة العرب إلى أميركا سطواً على الشباب، وليس فرصة ثقافية جديدة لن تلوح في بلاد الحال فيه على ما هو عليه، حيث حتى العرق لا يكفي لأن يأخذ المرء جنسية البلد الشقيق، ولو ولد وعاش ومات فيه. خطاب يمجد ديكتاتوريات، أو كيانات عنصرية دساتيرها قائمة على التمييز. ولا يريد أن يقبل أن حلماً كباراك أوباما يمكن أن يتحقق. أن الأسود، ابن المسلم الكيني، الصاعد من أسفل السلم، المثقف العامل في الحقل الاجتماعي مع اقل الناس حظاً في أميركا، يمكنه أن يكون رئيساً لأميركا البيضاء، الشريرة، مفنية السكان الأصليين، امبراطورية إبليس. 
وهو خطاب لا يجابه، لأنه محصن بالتبسيط، حيث ليس أبسط من التزام بلاهات خالية من أي معنى، مثل «الثبات على الموقف برغم كل التضحيات». 
في المقابل، هناك دائماً المتغير، البلا عقيدة، الخائن، «ناقل البندقية»، الضعيف أمام الإغراءات المادية.. الليبرالي. المتأمرك. وهي تهم لا يعود يليق الرد عليها بالكلام، بل بالعنف وحده. بالشتيمة، كأقل العنف، كبدايته.

الجمعة، 3 أغسطس 2012

جنرال "الحنان" مروان شربل




حنون مروان شربل.
كل ما فيه يوحي بفائض الحنان. ملامحه الخجولة وابتسامته الرقيقة وعيناه الذابلتان اللتان تنظران برقة زائدة حولهما، كأنهما عينا أب حازم وقوي لكنّه ذو قلب كبير.
و"الجنرال" يحب أن يكون كذلك. أباً ذا قلب كبير يتسع للجميع، من البعثي علي الديك إلى الاسيري فضل شاكر، وما بينهما من سياسيين.. ومطربين.
هكذا عوّد "الجنرال" لبنانييه: يواجه أي مشكلة بابتسامة الواثق، لكنه ضعيف في حبه للبنان ولعسكر لبنان. يجهش بالبكاء ألماً من تعب الذين يصلون الليل بالنهار من أجل البلد. يبكي لكن ليس عن ضعف. فهو ضابط ويأخذ على عاتقه أمن لبنان، حاكياً بصوته المجروح، كأنه واحد من أولئك اللبنانيين العظماء الذين يعيشون في جبال مسرحيات الرحابنة، ممجدين الرب الذي خلق لبنان، هائمين في حب طبيعة البلاد وطهارتها، مترفعين عن صغائر السياسيين وحبائلهم وصراعاتهم التافهة. أولئك الذين يكفي أن يكون واحدنا لبنانياً حتى يقعوا في غرامه، ويعملوا من أجل يومه وغده، غير مبالين لا بطائفة ولا بعقيدة ولا بموقف سياسي.
يراهن مروان شربل على الطيبة التي لا بد موجودة في جينات كل لبناني، فقط لأنه لبناني. بالفطرة نحن طيبون. لكن السياسة هي التي تخرّبنا، وتخرّب ما بيننا. وهو الذي يعرف ما في دواخلنا من صدق، ما زال يأنف عن السياسة، لأنها الشر ولأنها أساس كل بلاء.
هو الوحيد بين زملائه من "الجنرالات" الذين انتقلوا إلى عالم الشهرة، ويبدو كمن يحلم بأن يعود به الزمن إلى الوراء، فيرتدي بزته الرمادية ورتبته العسكرية ويقف على الحواجز في الليالي الامنية، ساهراً على أمن النائمين في البيوت. هناك حيث للواجب معنى وقيمة.
وفي وزارة الداخلية، لا يبدو شربل تتمة لأحد. فهو يختلف تماماً عن زياد بارود، الحقوقي المديني الذي لا يُظلم إذا قيل عنه إنه لا يجيد حمل مسدس فكيف باستخدامه؟ وشربل ليس بالطبع تتمة لكل ما ارساه الياس المر، وقبله ميشال المر، من صورة لوزارة الوزارات التي تجعل الجالس فيها يجيد، اكثر ما يجيد، المبارزة المتواصلة في "الكباش"، واستعراض تكوّر عضلة الزند وكبر حجمها.
على العكس، فإن شربل يحب أن يكون الأب الذي يحل المشاكل بين اولاده أجمعين، طالت لحى بعضهم، أو قصرت، لا فرق. وإذ يُقبِل بحبٍ منقطع النظير على الجميع، محاوراً، فكي يوقظ فيهم القيم الكبيرة والاساسية عن الوطن وحبه، حتى يستحيل كل ما هو أدنى من ذلك غباراً. وهو غالباً، ينجح في مسعاه، فإذا ظهر مبتسماً، والشيخ أحمد الاسير خلفه، مبتسماً أيضاً، كدنا ننتظر ظهور كلمة "النهاية" على المشهد الأخير من الفيلم الذي ينتصر في ختامه البطل الوحيد، أي لبنان، ويعيش فيه الابطال بسعادة إلى الابد. 
والجميع في مثل هذا الفن التوجيهي الهادف أبطال. هذا ما يجعل الهروب من تشبيه مروان شربل بأبو ملحم مستحيل. لكن شربل، على العكس من العجوز الاسطوري الراحل، أكثر ابتساماً وتفاؤلاً وأملاً بمستقبل عظيم يمكن أن يؤول إليه ما دام آل إلى "جنرالين" قبله وما زال يحوم حول وريثهما. وقد بكّر في تمييز نفسه عن "الجنرال" الابدي ميشال عون، لهذا السبب بالتحديد. لأن كرسي بعبدا لا يتسع لـ"جنرالين" في آن معاً. 
وعلى العكس، أيضاً، من اي مرشح آخر لرئاسة الجمهورية، فإن مروان شربل يرى في نفسه، صادقاً، كل المواصفات التي ينبغي أن توصله إلى الكرسي العتيد. فهو "جنرال" وماروني، وهاتان تكادان تصيران صفة واحدة ولازمة للعبور إلى القصر. وهو يعتد بأنه ليس خارج كل واي اصطفاف سياسي فحسب، بل أنه خارج السياسيين كلهم. كأنهم كلهم في كفة، وهو في كفة أخرى. كأنهم من معدن وهو من مادة أخرى مختلفة كلياً. كأنهم من تنك، وهو، لنقلْ، من خشب أرز الرب. 
يفكر بخلاف ما يفكرون، ويحلم بخلاف ما يحلمون. يترفع عنهم، لكنه يظل يبتسم لهم، فهو الأب الذي ينتظر اعتراف الجميع بابوته للوطن، حين يأتي موعد الابوّة المقبلة للبلاد.
طيّبٌ مروان شربل. صريحٌ وواضح وخطابه "بلا فذلكات" على ما يذهب القول اللبناني. زلّات لسانه تحسب له دائماً ولا تحسب ضده. مضحكة لشدة غرابتها لكنها ليست مؤذية. ليست عنصرية أو ذكورية. يقع فيها اي لبناني عادي، وقد تجد أقواله، لمباشرتها ووضوحها، من يرددها من بعده، وليس في سبيل التندر.
مروان شربل شعبي بهذا المعنى. هو نموذج المواطن اليومي الذي ضاق ذرعاً بالسياسيين، كل السياسيين، وكفر بهم جميعاً، ولم يبق له الا حب الوطن، ونشيده الوطني، وقليل من الامل بيوم فيه كثير من دبكة ايام زمان على كتف الشلال.
حنون وزير الداخلية. رومانسي. إذا أغمض عينيه ليستمتع بحلم يقظة، سيرى كل الزعماء السياسيين في عناق جماعي لصيق شديد، يتطهرون بدموعهم المنهمرة عليهم كالمطر من كل أحقادهم وخلافاتهم وصراعاتهم. وسيكون شربل، في حلم اليقظة نفسه، مغرورق العينين لشدة تأثره بما يرى، ولشدة امتنانه لنفسه. وسينتظر نهاية هذا العناق الحار الذي يجري في مكتبه الرئاسي في قصر بعبدا، كي يطل على اللبنانيين ويعلن لهم بحبور أن كل الأزمات السياسية حلّت، وأن الشعب اللبناني سيعيش سعيدا إلى الابد، أو على الاقل سيعيش سعيداً خلال عهده كرئيس للجمهورية. وبدلاً من أن يقف الاسير خلفه، سيقف كل السياسيين، مغتبطين بهذا الاب للجمهورية. وعلى مثل هذا المشهد الرائع، تظهر كلمة "النهاية".

الأربعاء، 1 أغسطس 2012

نقـاش مـوازٍ في الانتخـابـات بعـيـداً عـن حلـبـة صـراع الـديـكـة (2): أحمد بيضون

                                                (تصوير علي علوش)

هادئ أحمد بيضون. المثقف واللغوي والأكاديمي والباحث التاريخي والاجتماعي، الدكتور الموسوعي اختصاراً، يجلس في بيته الجميل في رأس بيروت. إذا حكى في السياسة، يرفعها إليه. يجردّها من غايات تحكم السياسيين، ومن مخاوف وأحقاد ومحاباة تحكم مواقفهم، ومن جهل يوصف العديد منهم به، في قضايا من المفترض أنهم خبراؤها. 
لا يحكي في مجردات، ولا يعيش في صومعة. القارئ الممتاز للتاريخ كما للحاضر يعرف بمهارة الأستاذ الجامعي كيف يشرح الأفكار، كما يعرف كيف يرى إليها، بعيني المثقف.
الانتخابات ليست شأناً جديداً بالنسبة إليه. لديه أكثر من بحث حولها. وهو، في حواره مع «السفير» ناقش ليس القوانين الانتخابية وتأثيراتها وسلبياتها وإيجابياتها ومفاهيمها فحسب، بل ذهب في النقاش أبعد، إلى نقطتين سابقتين للانتخابات، وأكثر أهمية منها: النظام الطائفي ودولة القانون، أو بالأحرى، دولة غياب القانون.
أحمد بيضون في الحلقة الثانية من الحوار حول شؤون الانتخابات وشجون البلاد.. بعيداً عن حلبة صراع الديكة.



{ لماذا لا يوجد قانون انتخابات ثابت ودائم في لبنان؟
÷ لسنا وحيدين في هذا الموضوع. الدول تعدّل قوانين الانتخاب فيها وهو أمر جار وشائع. لكن الدول الديموقراطية الانموذجية لديها مزيد من الاستقرار في هذا الأمر، كفرنسا او انكلترا. ومع ذلك، فهذه الدول تشهد تغييرات. الحاصل في لبنان أن القوى الغالبة في مرحلة معينة على صعيد السلطة التنفيذية ومجلس النواب تريد الاحتفاظ بولاء الأغلبية اللبنانية لها وهي تلجأ إلى التغيير اذا شعرت ان ثمة خطراً على الأكثرية التي تتمتع بها. وفي حالات الانقسام الشديد في البلاد يصبح الامر حيوياً لكل من الطرفين وموضوع معركة.

{ هل من الصحي ألا يعرف المواطن القانون الذي يقترع على اساسه؟
÷ ليس صحياً بالطبع. يجب ان يكون معروفا ما هو القانون وأن تُشرح مسوّغاته وآلية عمله ويجب أن يفهم المقترع كيف يؤثر صوته في نتيجة الاقتراع. فإذا اعتمدت النسبية، مثلاً، نحن حيال نسبيتين: التمثيل الطائفي هو نسبية قائمة على الأنصبة المحفوظة للطوائف أصلا، وحين نضيف نسبية ثانية مركّبة فوق النسبية الأولى، فهذا أمر سيخضع لقواعد احتساب معقدة بحيث أن الناخب الذي يضع صوته في الصندوق لن يفهم كيف وبأي نتيجة خرج صوته. ويصبح الأمر أكثر تعقيداً بما لا يقاس إذا اعتمدنا قانون الهيئة الوطنية لقانون الانتخاب (قانون فؤاد بطرس) الذي يقول بصيغة مركّبة، بحيث ينتخب قسم على القاعدة النسبية وقسم آخر على القاعدة الأكثرية، ويكون هناك نوعان من الدوائر متفاوتة الحجم، ويكون هناك صوتان تفضيليان لكل مقترع يعين بواسطتهما الاسمين اللذين يحوزان الأفضلية عنده من بين جميع الأسماء المعروضة. بذلك يصبح الاحتساب وتقرير النتائج معقداً بصورة يستحيل على الناخب غير المتخصص تخصصاً دقيقاً في علم الانتخابات أن يفهم كيف أدى صوته إلى هذه النتيجة.

{ ماذا عن قانون الستين؟ 
÷ الوحدة الانتخابية في قانون الستين هي القضاء. مشكلته انه يفتت إلى حد كبير التمثيل النيابي خصوصا أن مبدأ الأكثرية هو المعتمد. ويجعل نتائج الاقتراع مرهونة بمدى التلاحم الطائفي الذي يتفاوت بين طائفة وأخرى، وكما ينشئ في بعض الدوائر تبعية لنواب طائفة معينة للقيادة السياسية المنتمية إلى طائفة أخرى. وهذا سببه أن الاقضية غير متساوية في ما بينها وهي متفاوتة التمثيل لجهة عدد النواب فتجد مثلاً أقضية كبرى من قبيل الشوف أو بعلبك ـ الهرمل فيها من 8 إلى 10 نواب، في دائرة مثل جبيل تنتخب ثلاثة نواب فقط. مما يجعل للصوت تأثيراً متبايناً من دائرة إلى أخرى وإذا تمعّنا في الأمر وجدنا أنه يشكّل مطعناً في المساواة بين الناخبين. فان يؤثر ناخب في النتيجة المتعلقة بانتخاب عشرة نواب، بينما يؤثر آخر في انتخاب نائبين (بشري نموذجا) فقط يجعل للأول وزناً اكبر بكثير من الثاني.
أما مشكلته الأخرى فهي إتاحة نوع من التأثير الذي لا تستسيغه القيادات الطائفية لطائفة معينة في تمثيل طائفة أخرى. في بعلبك الهرمل، هناك مقعدان سني وكاثوليكي لكن الشيعة هم من يقررهما.

{ أي قانون هو فعلياً الاكثر تمثيلاً، النسبي او الاكثري؟ وعن أي مصالح يعبر كل منهما؟
÷ من يتوقع التراجع في الانتخابات المقبلة يفضل النسبية لأنها تمنعه من السقوط الذريع أمام خصومه. لكن من لديه تحالف كاسح، كالثنائي «حزب الله» و«حركة أمل»، يعلم أن النسبية لن تؤثر عليه، فيمضي بها، عارفاً ان الحريرية ستخسر من قوتها في حال اعتماد النسبية.
لكن النظام النسبي هو دائماً وفي جميع الحالات الاكثر تمثيلا. والافضل تعبيراً عن تنوع المشهد السياسي الشعبي. لكن تؤخذ أمور أخرى عليه منها أن التمثيل النسبي يضعف قاعدة الحكم، أي السلطة التنفيذية لأنه يمنع تشكيل اكثرية نيابية وطيدة ومستمرة إلى حين معين. ويؤدي إلى تعذر تشكيل حكومات او السقوط المتتابع والمتقارب للحكومات وهذا أمر سيء، لأن عدم استقرار الحكم أمر سيء، كما الاستقرار المفروض فرضاً للحكم أمر سيء. 

{ ما هي معوقات التمثيل الانتخابي الحقيقي للبنانيين؟
÷ علّة التمثيل النيابي هي موقعه كتمثيل نيابي اساساً من نظام الحكم الطائفي، والتعديل في قانون الانتخاب يغير الكثير من الوقائع لكن لا يخرج نظام الحكم من مشكلته الرئيسية. لديك نظام انتخابي قائم على جغرافيا وهمية كلياً. انت تعد لوائح الشطب بناء على لوائح النفوس. في بلدة مثل «بنت جبيل» هناك خمسون الف مواطن ونصفهم ينتخب، افتراضاً. وبناء على هذا الرقم يحق لها بهذا العدد من النواب. لكن في الواقع بنت جبيل يقيم فيها 4000 مواطن ومنهم الفان يقترعون. انت قدرت تمثيل هذا البلد بناء على جغرافيا الوهم والآخرون الذين في بيروت او في الضاحية حرمتهم من التصويت في الاماكن التي يتقرر فيها كل شيء مهم يتعلق بحياتهم. ونقل النفوس، المسموح قانوناً، يعد غزواً متبادلاً بين الطوائف، وتقوم إثره ردات فعل طائفية. السبب في هذا الخلل هو الحفاظ على المبدأ الطائفي في التمثيل. اذا ألغيته لا يعود هناك مشكلة في تخيير هذا الشخص في الاقتراع مكان دفنه بعد عمر طويل، او مكان بيته وحياته.
المشكلة الثانية هي أن هناك فرض على كل الناس وتجنيد اجباري لهم في الطوائف، مرشحين كانوا أم ناخبين، مع أن هناك ناخبين ومرشحين لا يرون في الطائفة مرادفاً لتصورهم عن انفسهم. هؤلاء مفروض عليهم أن يترشحوا عن مقاعد طائفية، ويقترعوا في اقلام طائفية، ويكون النائب الفائز نائباً عن الطائفة وعن الامة معاً. كيف تركب هذه؟

{ هل من الممكن التخلص من هذا يوماً؟
÷ اتفاق الطائف قدم صيغة مجلس شيوخ تنطوي على ضمانات للطوائف، وصلاحياته هي ان يكون هيئة تمنع التمييز الطائفي، ليست هيئة طائفية تشرف على التوزيع والانصبة الطائفية بل تمنع التمييز بين الناس على اساس طائفي، يجب ان تكون اساس الصلاحيات التي يتمتع بها مجلس الشيوخ. في ما يتعدى ذلك، مجلس نواب ينتخب على قاعدة النسبية ومن دون توزيع طائفي. في هذه الحالة، سيقل عدد النواب المسيحيين، وفي نظام غير طائفي يجب التسليم بالأمر لأن من مشاكل النظام الحالي مشكلة المناصفة القائمة على وضع وهمي. لديك ثلثا الناخبين لديهم نصف عدد النواب، وهو أمر غير طبيعي. المنافقون يتجنبون التصريح في هذا الأمر، لكن يجب ان يترتب على الأمر مقتضاه: في نظام غير طائفي هو أمر أقرب الى المساواة والعدل ويجنّب كل الاطراف مشاكل في المستقبل، لأن هذه القصة اذا كانت مقبولة الآن فلا أحد يضمن أن تظل مقبولة بعد مدة من الزمن ومن الأفضل أن تحل بالتفاهم والحوار من أن تحل في جو أزمة.

{ هل الانتخابات هي من تقرر اذا كانت الدولة ديموقراطية أم لا؟
÷ لا. الانتخابات ليست وحدها المقررة. السمة الاولى للدولة الديموقراطية هي انها دولة قانون. ولبنان ليس دولة قانون لأن لا محاسبة فيه، وهناك وقائع مفروضة بالقوة على السلطة العامة، وهناك قرارات مهمة جدا لا تؤخذ ديموقراطياً في البلد بينها ما يتعلق بها مصيره. المؤكد ان النظام الانتخابي ليس وحده من يجعل البلد ديموقراطياً.
والنظام، بطائفيته، يحمي الفساد والجريمة وأنواعاً مختلفة من الخروج عن القانون حيث يخبّئ مجرم في مكان لا احد يستطيع أن يطاله، واذا كان مجرماً مهماً كفاية، يمكنه أن يتنزّه حيث يريد ولا يطاله أحد.
الركن الاول للدولة الديموقراطية هو أنها دولة قانون، وليس انها دولة انتخابات. والقانون ينص بين ما ينص عليه على الانتخابات والسيادة وتداول السلطة وحرية الرأي والمعتقد وكل الحريات المدنية والسياسية. كل هذه الامور متماسكة في النظام الديموقراطي. لا يمكنك أن تسحب ركناً اساسياً من هذه الأركان وتقول أنت في دولة ديموقراطية. ونحن لدينا قوانين كثيرة لكن ليس لدينا دولة قانون. هذا يؤدي الى نوع واحد من الحريات، يسمح لك بأن تقتل أو أن تؤلف سيمفونية. الحرية نفسها في لبنان تسمح لك بالأمرين. يمكنك هنا أن تحكي وتكتب بكثير من الحرية، وتجلس في المقهى وتثرثر كما تريد، ولا تتعرض لشيء، لكن ليس لأن القانون يكفلك، بل لأن هناك فوضى. بينما في دولة القانون، الحريات التي تتمتع بها، تظل تتمتع بها، لكن بكفالة القانون.