السبت، 22 سبتمبر 2012

"نون" العنف


عاصفة الغبار التي هبّت على كتاب وناشطين وسياسيين ورجال دين شيعة، لم تكن بسبب الكلام الذي قالوه للأميركيين ونشره «ويكيليكس» منذ زمن بعيد. ليس في كلامهم المعاد نشره بتصرف الحاكم مسبقاً عليه، والمستغرب والمذهول والمستهجن، ما يدين هؤلاء حقاً. ليس منهم من طلب، مثلاً، ملء صندوق سيارته بالمتفجرات ونفذ طلبه. الإدانة الوحيدة التي استحقوا لأجلها كل البذاءة هي أنهم شيعة لا يجدون في أميركا عدواً، كما أنهم لا يناصرون «حزب الله». 
وهذان، في بلد ديموقراطي، خياران خاصان بأصحابهما. لكنهما، في بلد الناطقين باسم الطوائف، ممنوعان على أبناء الطائفة الشيعية حصراً. هكذا لا يعود منّا، «نحن» الشيعة، من لا يعادي أميركا. وهو عند ذلك خائن يستحق كل ما يطاله من عنف يبدأ لفظياً وينتهي بنبذه من مكاننا ومن وجداننا ومن طائفتنا. وهو، في الأصل شيخ لا يجيد الخطابة، وصحافي لا يجيد الكتابة، وسياسي بلا مناصرين، ومدني يلهث خلف المال، ودوني بلا كرامة ولا شرف ولا إباء. 
وبناء على أوصاف كهذه، هم بلا أي تأثير. ومع ذلك، تشن حرب تشملهم وتتخطاهم إلى كل صوت شيعي معارض، تهدد بطردهم في «ليلة كريستال» موعودة، كي تتحقق البيئة الخالية من أية شوائب. بيئة يراد لها أن تكون صافية اجتماعياً وفكرياً ودينياً وسياسياً وطائفياً. بيئة يرتاح أصحابها والمنظرون لها إذ لا يلوث ناسها بصرهم بصورة أخرى غير صورتهم، ولا يلوثون سمعهم بصوت آخر غير صوتهم. ويرتاحون إذ يغلقون الأبواب والنوافذ عليهم، ويجلسون وحدهم مناصبين العداء احتياطاً لكل اختلاف قد يعترض تصوراتهم عن العالم، حيث الآخر، كل آخر، هو الشيطان. 
في مثل هذه البيئة، نون الجماعة ساحقة وماحقة. نحن الأكثر تجانساً ونحن الأحق ونحن الأقوى ونحن الأذكى. ومن عنده الحق والقوة والتجانس والذكاء معاً، فقد اكتمل. وانتصاراته، وإن كانت مؤجلة، فهي حتمية دوماً في كل وأي معركة، حتى لو كانت منافسة رياضية. من كان يرى إلى نفسه كذلك، إلى أين يهرب من فوقيته ومن فائض استقوائه؟ كيف يخسر تمجيده للعنف؟ ولماذا يخيفه التنوع ما دام إلى هذه الدرجة واثقاً بنفسه؟ 
ليس في إقصاء الآخر أي ابتكار. هو الحل الأسهل . لكنه يرتد دائماً على صاحبه. الإقصاء تدهور إلى «أفكار» هزمت لأنها قامت على أنواع عديدة من التطهير والإلغاء. العودة الآن إلى النازية والفاشية والستالينية والبعثية لن تفيد أي قضية، مهما كانت سامية. كل هذا الرهاب الذي تحقن به البيئة لن يجعلها «نظيفة»، بل على العكس، سيزيد من انغلاقها على ذاتها، ويعمق من خوفها. سيجعلها تدخل في بلورة شفافة ليس فيها أي خدش، لكنها معزولة تماماً عن كل وأي شيء، حتى الضوء لا يمكنه أن يدخل إليها ولا أن يخرج منها. وفي هذا ظلم كثير وخسارة هائلة لها أولاً وآخراً.

السبت، 25 أغسطس 2012

المخطوفون والملثم الأبله

لف الشاب رأسه بقماشة سوداء. صنع قناعه بنفسه. لم يتقصد أن يبدو مضحكاً. أراد أن يكون مخيفاً أسوة برفاقه المسلحين. لكن الفتحات الثلاث في قناعه والتي على الارجح قصها على عجل، لم تلائم مواضع عينيه وفمه. ما رأيناه منه كان أسفل الجفنين وأعلى الخدين، بينما فتحة الفم في القناع مالت نزولاً ويساراً. صار يشبه دمية تقلد وجه ولد حزين. اقنعة رفاقه كانت عسكرية وفتحاتها محاكة بطريقة محترفة كي تبدو العيون عابسة. هو، في المقابل، بدا كأنما يسخر منهم. كان اقرب إلى مهرج يقف في الصف الخلفي متواطئاً مع المشاهدين على تقليد رفاقه من خلف ظهورهم. ممثل هزلي. 
لم يكن وحده الذي حول الحدث إلى مهزلة تكاد ترتقي إلى مصاف الفن الخالص. الفن للفن. 
لا يثير إلا الضحك، مشهد المخطوف النحيل الجالس على كنبة بيت، وخلفه يقف ملثمون موجهين الرشاشات إلى رأسه. كأنهم إن أزاحوا الفوهات عن جمجمته، استطاع ان يقفز وينتصر عليهم بقوة ساعديه، ويفر من مكان احتجازه. القابع في مكان اختطافه، يظهر مستسلماً بشدة ليس لخاطفه، بل لسوء حظه الذي أوقعه صدفة مع هؤلاء. يكاد لشدة المفارقة يبتسم متهكماً على نفسه. يكاد، لولا ارتعابه، يقع عن الكنبة ضاحكاً لغرابة اللحظة، ولفرط مبالغة الخاطفين في الاستقواء عليه، وترهيبه، واللعب بمصيره. كأن في ما يفعلون أقل غاية مفيدة لهم، لصورهم كرجال رجال. 
مع هؤلاء، وجيش مستعرضي اللحى والعضلات والرشاشات في الشمال جاء طوفان البلاهة. قبلهم، خرجت حكاية الوزير السابق العجيب وعبواته، لتقضي على أي منطق لبديهيات الأمور. 
بتنا مشرعين لكل احتمال. وحين تدب الفوضى، تطفو على السطح وجوه تبتسم ابتسامات مُلغزة، وتروح، على طريقة السياسيين والمحللين، وتوجه «رسائل» ذات أبعاد داخلية اقليمية ودولية. أناس بخطابات مُلاكة خالية من أي مضمون، تنهل من قاموس مفردات وتلميحات لم يكن لها اي معنى حين اخترعت، لكنها، بفعل الإيغال في الابتذال، باتت عامة. 
يصير الجميع على دراية معمقة بالحدث وأبعاده الاستراتيجية. ويفيض العنف. نتعرض، نحن الخائفين القاصرين عن ممارسة الحرب الاهلية، لدفق من الأفكار والقرارات والملثمين والوشوم على عضلات المقاتلين، يزيد على عقولنا، ولا نملك إزاءه إلا الدهشة المسلية. ففي نهاية الامر، هؤلاء المحللون والمسلحون النزقون البلهاء، الممتدون على مساحة البلد الصغير، هم من سيقرر مصيرنا. ونحن الجالسين على الكنبات في بيوتنا، نشعر بهم كأنهم ليسوا على الشاشات أمامنا، بل يقفون خلفنا، واضعين رشاشاتهم في رؤوسنا، وليس لنا إلا الضحك من الموقف الذي نحن فيه، والذي لا يمكن ان نجبر أنفسنا على الاستيقاظ منه، مع أنه كابوس. 
هكذا، سننفجر بالضحك من الشكل الأخرق للملثم الذي يشبه مهرجاً حزيناً، بينما هو يفرغ رصاصاته في جماجمنا.

السبت، 11 أغسطس 2012

"متأمرك"


الاستاذ الجامعي الذي كان يحاضر بطلاب دراسات عليا في الجامعة اللبنانية، كان مذهلاً. راح يسوق الاتهام تلو الآخر لأميركا، حتى بات كل الشر الذي يحيق بالعرب آتياً منها. بل بات أصل وجودها سحق العرب فحسب. 
قال إن خروجها إلى الفضاء كان وما زال لمراقبتنا. كل آتٍ منها، كالسينما والإعلام والموسيقى لغسل أدمغتنا، وجعلنا عاجزين عن مقاومتها. لتدمير «قيمنا» و«تقاليدنا». و«الانترنت» آخر اختراعاتها وأذكاها لمتابعة حربها علينا. للسيطرة على «عقولنا». لتنويمنا مغناطيسياً. لجعلنا أدواتها. 
خطابه ليس موجهاً ضد سياساتها الخارجية، بل ضدها كثقافة. وهو، على خبله، عتيق ومتجذر، يجتمع على تسويقه كما هو الأكاديمي والسياسي ورجل الدين والصحافي والمدّعي والوصولي والمتطرف يمينياً كان أم يسارياً. 
خطاب تختلط فيه المشاعر القبلية بالقومية بالبعثية بالإسلامية السياسية باليسارية البلهاء المصابة بالحنين ليس الى الاتحاد السوفياتي فحسب، بل إلى زمن الحديد الستاليني فيه. 
نشيد تام، قائم على رهاب عميق من كل ما هو أميركي، ما دام آتياً ليزرع فينا انحطاطه الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، يزرع فينا المخدرات والاستعمار معاً، يزرع الخنوع والاستسلام، فلا إباء يبقى ولا تبقى قيم ولا أخلاق ولا رجولة. 
خطاب يدّعي مؤامرة ثقافية يصير فيها «شعبنا» العربي عبداً لرجل أبيض شرير في طبعه، عنصري مقيت. 
فكر يرى إلى أميركا، بصفتها كلاًّ عدواً، ويرفضها بصفتها كذلك، كلاً وعدواً. وما دامت كذلك، ما دامت شيطاناً، فلا خطر منها على كينونته وعلى ماهيته. سيبقى كما هو ولن يتبدل. الخطر يأتي حين يفكك صورها. حين يعلم بأنها، بعكسه، تتعلم من أخطائها ومن تجاربها. انها، بعكسه، ملوّنة. انها، بعكسه، لم تصل إلى اليقين المطلق. ان منها تأتي الأشياء الكثيرة: الموسيقى والأدب والشعر والمسرح والسينما والفكر والعلم والتكنولوجيا والجامعات.. وحتى اليسار بأطياف ألوانه. 
خطاب يرى في هجرة العرب إلى أميركا سطواً على الشباب، وليس فرصة ثقافية جديدة لن تلوح في بلاد الحال فيه على ما هو عليه، حيث حتى العرق لا يكفي لأن يأخذ المرء جنسية البلد الشقيق، ولو ولد وعاش ومات فيه. خطاب يمجد ديكتاتوريات، أو كيانات عنصرية دساتيرها قائمة على التمييز. ولا يريد أن يقبل أن حلماً كباراك أوباما يمكن أن يتحقق. أن الأسود، ابن المسلم الكيني، الصاعد من أسفل السلم، المثقف العامل في الحقل الاجتماعي مع اقل الناس حظاً في أميركا، يمكنه أن يكون رئيساً لأميركا البيضاء، الشريرة، مفنية السكان الأصليين، امبراطورية إبليس. 
وهو خطاب لا يجابه، لأنه محصن بالتبسيط، حيث ليس أبسط من التزام بلاهات خالية من أي معنى، مثل «الثبات على الموقف برغم كل التضحيات». 
في المقابل، هناك دائماً المتغير، البلا عقيدة، الخائن، «ناقل البندقية»، الضعيف أمام الإغراءات المادية.. الليبرالي. المتأمرك. وهي تهم لا يعود يليق الرد عليها بالكلام، بل بالعنف وحده. بالشتيمة، كأقل العنف، كبدايته.

الجمعة، 3 أغسطس 2012

جنرال "الحنان" مروان شربل




حنون مروان شربل.
كل ما فيه يوحي بفائض الحنان. ملامحه الخجولة وابتسامته الرقيقة وعيناه الذابلتان اللتان تنظران برقة زائدة حولهما، كأنهما عينا أب حازم وقوي لكنّه ذو قلب كبير.
و"الجنرال" يحب أن يكون كذلك. أباً ذا قلب كبير يتسع للجميع، من البعثي علي الديك إلى الاسيري فضل شاكر، وما بينهما من سياسيين.. ومطربين.
هكذا عوّد "الجنرال" لبنانييه: يواجه أي مشكلة بابتسامة الواثق، لكنه ضعيف في حبه للبنان ولعسكر لبنان. يجهش بالبكاء ألماً من تعب الذين يصلون الليل بالنهار من أجل البلد. يبكي لكن ليس عن ضعف. فهو ضابط ويأخذ على عاتقه أمن لبنان، حاكياً بصوته المجروح، كأنه واحد من أولئك اللبنانيين العظماء الذين يعيشون في جبال مسرحيات الرحابنة، ممجدين الرب الذي خلق لبنان، هائمين في حب طبيعة البلاد وطهارتها، مترفعين عن صغائر السياسيين وحبائلهم وصراعاتهم التافهة. أولئك الذين يكفي أن يكون واحدنا لبنانياً حتى يقعوا في غرامه، ويعملوا من أجل يومه وغده، غير مبالين لا بطائفة ولا بعقيدة ولا بموقف سياسي.
يراهن مروان شربل على الطيبة التي لا بد موجودة في جينات كل لبناني، فقط لأنه لبناني. بالفطرة نحن طيبون. لكن السياسة هي التي تخرّبنا، وتخرّب ما بيننا. وهو الذي يعرف ما في دواخلنا من صدق، ما زال يأنف عن السياسة، لأنها الشر ولأنها أساس كل بلاء.
هو الوحيد بين زملائه من "الجنرالات" الذين انتقلوا إلى عالم الشهرة، ويبدو كمن يحلم بأن يعود به الزمن إلى الوراء، فيرتدي بزته الرمادية ورتبته العسكرية ويقف على الحواجز في الليالي الامنية، ساهراً على أمن النائمين في البيوت. هناك حيث للواجب معنى وقيمة.
وفي وزارة الداخلية، لا يبدو شربل تتمة لأحد. فهو يختلف تماماً عن زياد بارود، الحقوقي المديني الذي لا يُظلم إذا قيل عنه إنه لا يجيد حمل مسدس فكيف باستخدامه؟ وشربل ليس بالطبع تتمة لكل ما ارساه الياس المر، وقبله ميشال المر، من صورة لوزارة الوزارات التي تجعل الجالس فيها يجيد، اكثر ما يجيد، المبارزة المتواصلة في "الكباش"، واستعراض تكوّر عضلة الزند وكبر حجمها.
على العكس، فإن شربل يحب أن يكون الأب الذي يحل المشاكل بين اولاده أجمعين، طالت لحى بعضهم، أو قصرت، لا فرق. وإذ يُقبِل بحبٍ منقطع النظير على الجميع، محاوراً، فكي يوقظ فيهم القيم الكبيرة والاساسية عن الوطن وحبه، حتى يستحيل كل ما هو أدنى من ذلك غباراً. وهو غالباً، ينجح في مسعاه، فإذا ظهر مبتسماً، والشيخ أحمد الاسير خلفه، مبتسماً أيضاً، كدنا ننتظر ظهور كلمة "النهاية" على المشهد الأخير من الفيلم الذي ينتصر في ختامه البطل الوحيد، أي لبنان، ويعيش فيه الابطال بسعادة إلى الابد. 
والجميع في مثل هذا الفن التوجيهي الهادف أبطال. هذا ما يجعل الهروب من تشبيه مروان شربل بأبو ملحم مستحيل. لكن شربل، على العكس من العجوز الاسطوري الراحل، أكثر ابتساماً وتفاؤلاً وأملاً بمستقبل عظيم يمكن أن يؤول إليه ما دام آل إلى "جنرالين" قبله وما زال يحوم حول وريثهما. وقد بكّر في تمييز نفسه عن "الجنرال" الابدي ميشال عون، لهذا السبب بالتحديد. لأن كرسي بعبدا لا يتسع لـ"جنرالين" في آن معاً. 
وعلى العكس، أيضاً، من اي مرشح آخر لرئاسة الجمهورية، فإن مروان شربل يرى في نفسه، صادقاً، كل المواصفات التي ينبغي أن توصله إلى الكرسي العتيد. فهو "جنرال" وماروني، وهاتان تكادان تصيران صفة واحدة ولازمة للعبور إلى القصر. وهو يعتد بأنه ليس خارج كل واي اصطفاف سياسي فحسب، بل أنه خارج السياسيين كلهم. كأنهم كلهم في كفة، وهو في كفة أخرى. كأنهم من معدن وهو من مادة أخرى مختلفة كلياً. كأنهم من تنك، وهو، لنقلْ، من خشب أرز الرب. 
يفكر بخلاف ما يفكرون، ويحلم بخلاف ما يحلمون. يترفع عنهم، لكنه يظل يبتسم لهم، فهو الأب الذي ينتظر اعتراف الجميع بابوته للوطن، حين يأتي موعد الابوّة المقبلة للبلاد.
طيّبٌ مروان شربل. صريحٌ وواضح وخطابه "بلا فذلكات" على ما يذهب القول اللبناني. زلّات لسانه تحسب له دائماً ولا تحسب ضده. مضحكة لشدة غرابتها لكنها ليست مؤذية. ليست عنصرية أو ذكورية. يقع فيها اي لبناني عادي، وقد تجد أقواله، لمباشرتها ووضوحها، من يرددها من بعده، وليس في سبيل التندر.
مروان شربل شعبي بهذا المعنى. هو نموذج المواطن اليومي الذي ضاق ذرعاً بالسياسيين، كل السياسيين، وكفر بهم جميعاً، ولم يبق له الا حب الوطن، ونشيده الوطني، وقليل من الامل بيوم فيه كثير من دبكة ايام زمان على كتف الشلال.
حنون وزير الداخلية. رومانسي. إذا أغمض عينيه ليستمتع بحلم يقظة، سيرى كل الزعماء السياسيين في عناق جماعي لصيق شديد، يتطهرون بدموعهم المنهمرة عليهم كالمطر من كل أحقادهم وخلافاتهم وصراعاتهم. وسيكون شربل، في حلم اليقظة نفسه، مغرورق العينين لشدة تأثره بما يرى، ولشدة امتنانه لنفسه. وسينتظر نهاية هذا العناق الحار الذي يجري في مكتبه الرئاسي في قصر بعبدا، كي يطل على اللبنانيين ويعلن لهم بحبور أن كل الأزمات السياسية حلّت، وأن الشعب اللبناني سيعيش سعيدا إلى الابد، أو على الاقل سيعيش سعيداً خلال عهده كرئيس للجمهورية. وبدلاً من أن يقف الاسير خلفه، سيقف كل السياسيين، مغتبطين بهذا الاب للجمهورية. وعلى مثل هذا المشهد الرائع، تظهر كلمة "النهاية".

الأربعاء، 1 أغسطس 2012

نقـاش مـوازٍ في الانتخـابـات بعـيـداً عـن حلـبـة صـراع الـديـكـة (2): أحمد بيضون

                                                (تصوير علي علوش)

هادئ أحمد بيضون. المثقف واللغوي والأكاديمي والباحث التاريخي والاجتماعي، الدكتور الموسوعي اختصاراً، يجلس في بيته الجميل في رأس بيروت. إذا حكى في السياسة، يرفعها إليه. يجردّها من غايات تحكم السياسيين، ومن مخاوف وأحقاد ومحاباة تحكم مواقفهم، ومن جهل يوصف العديد منهم به، في قضايا من المفترض أنهم خبراؤها. 
لا يحكي في مجردات، ولا يعيش في صومعة. القارئ الممتاز للتاريخ كما للحاضر يعرف بمهارة الأستاذ الجامعي كيف يشرح الأفكار، كما يعرف كيف يرى إليها، بعيني المثقف.
الانتخابات ليست شأناً جديداً بالنسبة إليه. لديه أكثر من بحث حولها. وهو، في حواره مع «السفير» ناقش ليس القوانين الانتخابية وتأثيراتها وسلبياتها وإيجابياتها ومفاهيمها فحسب، بل ذهب في النقاش أبعد، إلى نقطتين سابقتين للانتخابات، وأكثر أهمية منها: النظام الطائفي ودولة القانون، أو بالأحرى، دولة غياب القانون.
أحمد بيضون في الحلقة الثانية من الحوار حول شؤون الانتخابات وشجون البلاد.. بعيداً عن حلبة صراع الديكة.



{ لماذا لا يوجد قانون انتخابات ثابت ودائم في لبنان؟
÷ لسنا وحيدين في هذا الموضوع. الدول تعدّل قوانين الانتخاب فيها وهو أمر جار وشائع. لكن الدول الديموقراطية الانموذجية لديها مزيد من الاستقرار في هذا الأمر، كفرنسا او انكلترا. ومع ذلك، فهذه الدول تشهد تغييرات. الحاصل في لبنان أن القوى الغالبة في مرحلة معينة على صعيد السلطة التنفيذية ومجلس النواب تريد الاحتفاظ بولاء الأغلبية اللبنانية لها وهي تلجأ إلى التغيير اذا شعرت ان ثمة خطراً على الأكثرية التي تتمتع بها. وفي حالات الانقسام الشديد في البلاد يصبح الامر حيوياً لكل من الطرفين وموضوع معركة.

{ هل من الصحي ألا يعرف المواطن القانون الذي يقترع على اساسه؟
÷ ليس صحياً بالطبع. يجب ان يكون معروفا ما هو القانون وأن تُشرح مسوّغاته وآلية عمله ويجب أن يفهم المقترع كيف يؤثر صوته في نتيجة الاقتراع. فإذا اعتمدت النسبية، مثلاً، نحن حيال نسبيتين: التمثيل الطائفي هو نسبية قائمة على الأنصبة المحفوظة للطوائف أصلا، وحين نضيف نسبية ثانية مركّبة فوق النسبية الأولى، فهذا أمر سيخضع لقواعد احتساب معقدة بحيث أن الناخب الذي يضع صوته في الصندوق لن يفهم كيف وبأي نتيجة خرج صوته. ويصبح الأمر أكثر تعقيداً بما لا يقاس إذا اعتمدنا قانون الهيئة الوطنية لقانون الانتخاب (قانون فؤاد بطرس) الذي يقول بصيغة مركّبة، بحيث ينتخب قسم على القاعدة النسبية وقسم آخر على القاعدة الأكثرية، ويكون هناك نوعان من الدوائر متفاوتة الحجم، ويكون هناك صوتان تفضيليان لكل مقترع يعين بواسطتهما الاسمين اللذين يحوزان الأفضلية عنده من بين جميع الأسماء المعروضة. بذلك يصبح الاحتساب وتقرير النتائج معقداً بصورة يستحيل على الناخب غير المتخصص تخصصاً دقيقاً في علم الانتخابات أن يفهم كيف أدى صوته إلى هذه النتيجة.

{ ماذا عن قانون الستين؟ 
÷ الوحدة الانتخابية في قانون الستين هي القضاء. مشكلته انه يفتت إلى حد كبير التمثيل النيابي خصوصا أن مبدأ الأكثرية هو المعتمد. ويجعل نتائج الاقتراع مرهونة بمدى التلاحم الطائفي الذي يتفاوت بين طائفة وأخرى، وكما ينشئ في بعض الدوائر تبعية لنواب طائفة معينة للقيادة السياسية المنتمية إلى طائفة أخرى. وهذا سببه أن الاقضية غير متساوية في ما بينها وهي متفاوتة التمثيل لجهة عدد النواب فتجد مثلاً أقضية كبرى من قبيل الشوف أو بعلبك ـ الهرمل فيها من 8 إلى 10 نواب، في دائرة مثل جبيل تنتخب ثلاثة نواب فقط. مما يجعل للصوت تأثيراً متبايناً من دائرة إلى أخرى وإذا تمعّنا في الأمر وجدنا أنه يشكّل مطعناً في المساواة بين الناخبين. فان يؤثر ناخب في النتيجة المتعلقة بانتخاب عشرة نواب، بينما يؤثر آخر في انتخاب نائبين (بشري نموذجا) فقط يجعل للأول وزناً اكبر بكثير من الثاني.
أما مشكلته الأخرى فهي إتاحة نوع من التأثير الذي لا تستسيغه القيادات الطائفية لطائفة معينة في تمثيل طائفة أخرى. في بعلبك الهرمل، هناك مقعدان سني وكاثوليكي لكن الشيعة هم من يقررهما.

{ أي قانون هو فعلياً الاكثر تمثيلاً، النسبي او الاكثري؟ وعن أي مصالح يعبر كل منهما؟
÷ من يتوقع التراجع في الانتخابات المقبلة يفضل النسبية لأنها تمنعه من السقوط الذريع أمام خصومه. لكن من لديه تحالف كاسح، كالثنائي «حزب الله» و«حركة أمل»، يعلم أن النسبية لن تؤثر عليه، فيمضي بها، عارفاً ان الحريرية ستخسر من قوتها في حال اعتماد النسبية.
لكن النظام النسبي هو دائماً وفي جميع الحالات الاكثر تمثيلا. والافضل تعبيراً عن تنوع المشهد السياسي الشعبي. لكن تؤخذ أمور أخرى عليه منها أن التمثيل النسبي يضعف قاعدة الحكم، أي السلطة التنفيذية لأنه يمنع تشكيل اكثرية نيابية وطيدة ومستمرة إلى حين معين. ويؤدي إلى تعذر تشكيل حكومات او السقوط المتتابع والمتقارب للحكومات وهذا أمر سيء، لأن عدم استقرار الحكم أمر سيء، كما الاستقرار المفروض فرضاً للحكم أمر سيء. 

{ ما هي معوقات التمثيل الانتخابي الحقيقي للبنانيين؟
÷ علّة التمثيل النيابي هي موقعه كتمثيل نيابي اساساً من نظام الحكم الطائفي، والتعديل في قانون الانتخاب يغير الكثير من الوقائع لكن لا يخرج نظام الحكم من مشكلته الرئيسية. لديك نظام انتخابي قائم على جغرافيا وهمية كلياً. انت تعد لوائح الشطب بناء على لوائح النفوس. في بلدة مثل «بنت جبيل» هناك خمسون الف مواطن ونصفهم ينتخب، افتراضاً. وبناء على هذا الرقم يحق لها بهذا العدد من النواب. لكن في الواقع بنت جبيل يقيم فيها 4000 مواطن ومنهم الفان يقترعون. انت قدرت تمثيل هذا البلد بناء على جغرافيا الوهم والآخرون الذين في بيروت او في الضاحية حرمتهم من التصويت في الاماكن التي يتقرر فيها كل شيء مهم يتعلق بحياتهم. ونقل النفوس، المسموح قانوناً، يعد غزواً متبادلاً بين الطوائف، وتقوم إثره ردات فعل طائفية. السبب في هذا الخلل هو الحفاظ على المبدأ الطائفي في التمثيل. اذا ألغيته لا يعود هناك مشكلة في تخيير هذا الشخص في الاقتراع مكان دفنه بعد عمر طويل، او مكان بيته وحياته.
المشكلة الثانية هي أن هناك فرض على كل الناس وتجنيد اجباري لهم في الطوائف، مرشحين كانوا أم ناخبين، مع أن هناك ناخبين ومرشحين لا يرون في الطائفة مرادفاً لتصورهم عن انفسهم. هؤلاء مفروض عليهم أن يترشحوا عن مقاعد طائفية، ويقترعوا في اقلام طائفية، ويكون النائب الفائز نائباً عن الطائفة وعن الامة معاً. كيف تركب هذه؟

{ هل من الممكن التخلص من هذا يوماً؟
÷ اتفاق الطائف قدم صيغة مجلس شيوخ تنطوي على ضمانات للطوائف، وصلاحياته هي ان يكون هيئة تمنع التمييز الطائفي، ليست هيئة طائفية تشرف على التوزيع والانصبة الطائفية بل تمنع التمييز بين الناس على اساس طائفي، يجب ان تكون اساس الصلاحيات التي يتمتع بها مجلس الشيوخ. في ما يتعدى ذلك، مجلس نواب ينتخب على قاعدة النسبية ومن دون توزيع طائفي. في هذه الحالة، سيقل عدد النواب المسيحيين، وفي نظام غير طائفي يجب التسليم بالأمر لأن من مشاكل النظام الحالي مشكلة المناصفة القائمة على وضع وهمي. لديك ثلثا الناخبين لديهم نصف عدد النواب، وهو أمر غير طبيعي. المنافقون يتجنبون التصريح في هذا الأمر، لكن يجب ان يترتب على الأمر مقتضاه: في نظام غير طائفي هو أمر أقرب الى المساواة والعدل ويجنّب كل الاطراف مشاكل في المستقبل، لأن هذه القصة اذا كانت مقبولة الآن فلا أحد يضمن أن تظل مقبولة بعد مدة من الزمن ومن الأفضل أن تحل بالتفاهم والحوار من أن تحل في جو أزمة.

{ هل الانتخابات هي من تقرر اذا كانت الدولة ديموقراطية أم لا؟
÷ لا. الانتخابات ليست وحدها المقررة. السمة الاولى للدولة الديموقراطية هي انها دولة قانون. ولبنان ليس دولة قانون لأن لا محاسبة فيه، وهناك وقائع مفروضة بالقوة على السلطة العامة، وهناك قرارات مهمة جدا لا تؤخذ ديموقراطياً في البلد بينها ما يتعلق بها مصيره. المؤكد ان النظام الانتخابي ليس وحده من يجعل البلد ديموقراطياً.
والنظام، بطائفيته، يحمي الفساد والجريمة وأنواعاً مختلفة من الخروج عن القانون حيث يخبّئ مجرم في مكان لا احد يستطيع أن يطاله، واذا كان مجرماً مهماً كفاية، يمكنه أن يتنزّه حيث يريد ولا يطاله أحد.
الركن الاول للدولة الديموقراطية هو أنها دولة قانون، وليس انها دولة انتخابات. والقانون ينص بين ما ينص عليه على الانتخابات والسيادة وتداول السلطة وحرية الرأي والمعتقد وكل الحريات المدنية والسياسية. كل هذه الامور متماسكة في النظام الديموقراطي. لا يمكنك أن تسحب ركناً اساسياً من هذه الأركان وتقول أنت في دولة ديموقراطية. ونحن لدينا قوانين كثيرة لكن ليس لدينا دولة قانون. هذا يؤدي الى نوع واحد من الحريات، يسمح لك بأن تقتل أو أن تؤلف سيمفونية. الحرية نفسها في لبنان تسمح لك بالأمرين. يمكنك هنا أن تحكي وتكتب بكثير من الحرية، وتجلس في المقهى وتثرثر كما تريد، ولا تتعرض لشيء، لكن ليس لأن القانون يكفلك، بل لأن هناك فوضى. بينما في دولة القانون، الحريات التي تتمتع بها، تظل تتمتع بها، لكن بكفالة القانون.

الاثنين، 30 يوليو 2012

نقاش موازٍ في الانتخابات بعيداً عن حلبة صراع الديكة (1): زياد بارود

                                                   (تصوير علي لمع)

الانتخابات، بما تحمل من أمل بتطور المجتمعات سياسياً، وتعبيرها ديموقراطياً عن نفسها، وحسن تظهيرها لتنوعها، تصغر في لبنان إلى حدود صراع الديكة بين مجموعة من المراهنين الذين لا يرون أبعد من أنوفهم. 
هؤلاء لديهم مفاهيم للديموقراطية ترى إلى الناس، كالعادة، بصفتها قطعاناً يفترض بالانتخابات أن تنظم مرورها إلى الحظائر، حيث تقدم راضية حليبها ولحمها وصوفها. ولا ترى في الناس جماعات لها مشيئة وحق اختيار من يمثلها، كما لها القدرة على محاسبته ومعاقبته.
بمثل هذه الذهنية، تتعاطى غالبية القوى السياسية في لبنان مع الانتخابات ومع الديموقراطية نفسها. مفردات مثل «الاصلاحات» و«النسبية» و«ذوو الاحتياجات الاضافية» لها وقع ثقيل على آذان شديدة المحافظة، وشديدة الحذر حين الاقتراب من الحلبة الاساسية للصراع، أي المجلس النيابي. 
هنا، يعمل العقل السياسي اللبناني بمنطق الرعب من أي مجهول. ما لا يعرفه هذا العقل هو بالضرورة ضد مصالحه. والخطر لا يأتي إلا من التغيير. ولأن السياسة اللبنانية أقرب إلى العاب الخفة، فهم يمارسون كل انواع الألعاب، كي لا يقع اي شرخ في النظام القائم الذي جهدوا في نصبه، على علّاته، حامياً لوجودهم.
في صراعهم، يرفضون الاساس: الانتخابات ليست من أجلهم، بل من اجل المواطنين. والانتخابات يجب ان تبقى بعد انسلاخ السياسيين، طبقة بعد طبقة، عن الحياة العامة. ومع أنهم ليسوا غاية الانتخابات، فهم يقررون اشكالها ومضمونها واسلوبها، وهم غالباً ما يفسدون الشكل والمضمون معاً.
بعيداً عن صراع الديكة، ثمة نقاش حقيقي وممتد منذ سنوات حول الاصلاح الانتخابي، يخوضه ناشطون واكاديميون وسياسيون من خارج العلب الجاهزة. وهو نقاش ـ نشاط بشّر ببعض الخير سابقاً، وينبغي أن يبشّر به لاحقاً. نشاط فيه الكثير من العلوم السياسية والاجتماعية، يمضي على هامش الصراع السياسي، غير أنه يظل ارسخ وأعمق منه.
زياد بارود هو واحد من ابرز وجوه هذا النقاش. بات خبيرا محلّفاً في كل ما يتعلق بالانتخابات، ومرجعاً يذكر اسمه اول ما يذكر حين التطرق الى القانون والى الاصلاحات. 
«الكاريزما» التي صنعت نجوميته، لا تعني أنه حالة فردية. هو واحد من مجموعة افراد وهيئات خاضوا ويخوضون في هذا الشأن منذ أعوام. ما يميز بارود أنه صار مقرراً حين صار وزيراً للداخلية اشرف على عملية انتخابية كانت الافضل حتى تاريخها.
لا شك أن بارود عنده كلام كثير، لكن لديه أسئلة أكثر.


المحامي الذي أتى الى وزارة الداخلية من المجتمع المدني، غارق في شجون الانتخابات منذ العام 1996على الاقل. يعود في بداية حوار «السفير» معه إلى استعادة ما يسميها «المرحلة المفصلية» في ذاك العام مع التأسيس الرسمي لـ«الجمعية اللبنانية لديموقراطية الانتخابات».
بعد سنة من تأسيسها، سجّلت «الجمعية» نجاحها الاول عبر حملة «بلدي بلدتي بلديتي». التف حولها الاعلام وطلاب جامعات وقادة رأي وغيرهم وجمعت مئة الف توقيع، واستطاعت ان تكون ظهراً داعماً لنواب تقدموا بطعن الى المجلس الدستوري الذي اصدر قراره بابطال قانون مدد للمجالس البلدية والاختيارية. وكان يمدد للانتخابات منذ عقود من دون اعتراض. أُلزمت الحكومة بانتخابات بلدية في العام 1998 وهي بداية جيدة».
وليس من قبيل الصدفة، كما يرى وزير الداخلية السابق، أن ثلاثة اعضاء مؤسسين في الجمعية عينوا لاحقاً في «الهيئة الوطنية لقانون الانتخاب» برئاسة الوزير السابق فؤاد بطرس وهم نواف سلام وبول سالم وبارود نفسه. مما سمح لهؤلاء بنقل كل ما عملوا من أجله إلى هيئة بهذا الحجم ووجد كل ما حكوا ورفاقهم فيه منذ العام 1996 طريقه الى مشروع قانون اصلاحي للانتخابات. وبحسب بارود، فإن قسما كبيراً مما خرجت به «الهيئة الوطنية» كان بفضل الحالة التي وجدت في العام 1996 والتي سمحت للتشريع في لبنان بأن يخرج من اللغة الخشبية ومن رتابة تقسيم الدوائر إلى الحكي في النسبية بتفاصيلها، حيث لديك تركيبة معقدة لا تستطيع ان تقدم لها نظاماً انتخابياً بسيطاً. وقد استفادت «هيئة بطرس» من التراكم على مستوى الثقافة الانتخابية وخرجت بما خرجت به، والذي سقط طبعاً».
يرصد بارود لـ«الجمعية اللبنانية من أجل ديموقراطية الانتخابات» نجاحات واخفاقات. يقول إنها نجحت «في التغيير في الذهنيات الانتخابية وفي ادخال مفاهيم جديدة لم تكن متداولة ومعروفة ومفهومة لدى الناس ومنها النسبية وحقوق ذوي الاحتياجات الاضافية، والورقة المطبوعة سلفاً، والاعلام والانفاق الانتخابي، وغيرها».
لكن الجهد أخفق في الدفع في اتجاه تطبيق الاصلاحات بقوة لأن هذا الدفع يحتاج الى النزول الى الشارع. ولا يمكن ان تقوم باصلاح بالتمني، بل هو معركة لها ادوات وعدة شغل». 

ما البديل عن النسبية؟

تعادي القوى السياسية اللبنانية النسبية. ولها اسبابها بالطبع. يقول بارود إن «النسبية منطق اصلاحي يحسّن تمثيل الجميع ولا سيما الاقليات السياسية، قبل الطائفية. وتسمح بادارة افضل للتنوع، وتشجع على قيام حالات لا نراها في النظام الاكثري على مستوى الترشح والاقتراع. حين تطبيق نظام نسبي، ستجد أناساً لم يترشحوا في النظام الاكثري يترشحون، واخرين لم يقترعوا سيقترعون. المشهد سيختلف تماماً. بهذا المعنى هي اصلاح من دون ان نحملها اكثر من ذلك. في المقابل، يتابع بارود، «قد يكون هناك اصلاح في النظام الاكثري شرط ان يكون خاضعاً لمعايير معينة. من يريد اصلاحا في النظام الاكثري عليه ان يفكّر بصحة التمثيل المباشر. السؤال هو هذا: من حق القوى ان تكون ضد النسبية، لكن ما بديلها؟ ليس عندها بديل اصلاحي حقيقي».
يتابع: «القادة السياسيون ينظرون الى قانون الانتخاب من زاوية تحصيل النتائج فحسب. ويقع البلد تالياً في حلقة مفرغة: من يقرّ القانون الانتخابي هو الذي يترشح على أساسه، وهذا يفضل ان تُحسم النتائج قبل اجراء الانتخابات اصلاً. في النسبية لا يمكن أن تُحسم النتائج مسبقاً. التحالفات تختلف، والاقليات حتى لو بلغت نسبتها العشرة في المئة تغير في النتائج وقد تعطي مقعداً لكتلة منافسة. المشهد ينقلب كلياً عن المعتاد. وهذا ما لا تريده القوى. هي تريد أن تُجرى الانتخابات في الدوحة (اتفاق الدوحة 2008) وتبقى بضعة مقاعد للانتخابات الفرعية» يقول متهكماً.

الاصلاحات تقنياً... وسياسياً

وما دام الخلل القائم، جيداً للمستفيدين منه، فلا أحد يفضل الاقلاع عن الخلل. يسوق بارود مثلاً عن الضراوة في معاندة الاصلاح، في ظاهره تقني وفي عمقه سياسي: ورقة الاقتراع المطبوعة سلفاً. من المفترض أن يكون مثل هذا الامر تفصيلاً، وحتى أنه بديهي. لكن...
عندما ناقش بارود قانون الانتخاب في مجلس النواب في تشرين الاول 2008 جلب معه 128 نموذجاً من هذه الاوراق المطبوعة سلفاً ووزعها على النواب. في الليلة نفسها، زاره نائبان من طرفين خصمين. كلاهما قال له إن المجلس لن يقر هذه الاوراق. وهذا ما حصل لاحقا. 
لماذا؟ لأن ورقة الاقتراع تضبط التحكم بحركة التصويت. المندوبون لديهم لوائح لمتابعة الفرز، ويميزون بين اوراقهم التي يوزعونها على الناس وبين اللوائح الاخرى، من خلال الاسم الاول للمرشح أو نوع الخط وحجمه. يمكنهم دائماً معرفة نمط تصويت المقترعين خلال فرز الاصوات. وفي اقلام صغيرة، يمكنهم ان يعرفوا كل عائلة من انتخبت ومدى التزامها معهم أو ضدهم.
نحكي عن حركة تصويت في اقلام طائفية لا تتعدى 400 او 500 ناخب. واذا كان من السهل اكتشاف خيار الناخبين، فمن الاسهل، بالتالي مكافأتهم أو معاقبتهم او رشوتهم لاحقاً.
كم يؤثر غياب هذه التقنية المفترض انها بسيطة وعملية على الناخب نفسه وعلى حرية الانتخاب؟ كثيراً على ما يبدو. الى ذلك، فهناك 16 في المئة من اللبنانيين من الاميين. هؤلاء كيف سيكون لهم حرية الاختيار بعدم وجود صورة المرشح أو اللون الخاص بتحالف ما أو غيرها من الرموز التي تسمح للمقترع ان ينتقي مرشحيه او لائحته بنفسه من دون مساعدة أحد؟»، ما نظنه بسيطاً، هو في الحسابات اللبنانية شديد التعقيد.
تفصيل آخر اساسي يدل إلى الذهنية اللبنانية التي تحتاج إلى تعديل. يقول بارود إن «المادة 24 التي تحكي عن المناصفة بين المسيحيين والمسلمين هي غير ميثاقية. فماذا عن اليهود اللبنانيين وهؤلاء معهم بطاقة هوية لبنانية ولهم الحق بالتمثيل وهم غير ممثلين دستورياً والدستور يمنعهم من الترشح او الحصول على مقعد؟ وماذا عن اللاطائفيين الذين سمح لهم القانون بان يكونوا موجودين منذ العام 1936 ضمن خانة «طائفة القانون العادي». هؤلاء غير ممثلين بدورهم ويحق لهم ان يكونوا ممثلين، مهما كان عددهم».

على مستوى الذهنيات؟

يعوّل بارود على ما يسميه «خرقاً على مستوى الذهنيات». فالناس باتت تعرف اكثر. وهناك اجيال جديدة مهتمة وتتعلم وتتطور. لكن في مرحلة القرار الامر ليس عند الباحثين والناشطين ولا عند الناس بل عند القيادات السياسية، التي لا تريد انظمة غير قابلة للتحكم بها مسبقاً. هذا هو العائق الرئيسي برأيه.
في لبنان حالة ديموقراطية، وبرغم مساوئها ونواقصها، هذا البلد كان وحيداً بين ديكتاتوريات وكان لديه دائماً فرصة لتطوير حالته هذه. لكن المحاولات تصطدم في اللحظة الاخيرة بالمجموعات السياسية التي لا يناسبها أي تعديل. واليوم، وبينما النقاش مستعر حول القانون الانتخابي، فالدنيا ليست بخير على مستوى تحسينه. لا ينقصنا خبراء ولا قانونيين ولا مشاريع. لدينا كم هائل من المشاريع وكثير منها جيد ويمكن البناء عليه، لكننا بحاجة الى قرار سياسي يحسم هذا الموضوع. وهو موجود عند القوى السياسية ولا يبدو انها تريد اصلاحاً.
في المقابل: هل الناخب اللبناني مستعد للمحاسبة ولأن يرى من وعده ولم يف بوعده أم ليس مستعداً؟ اغلب الظن أن لا. لذا لا داع لبرنامج انتخابي لأنه ليس جيداً بيئياً. يطبع على أوراق ترمى لاحقا بلا جدوى»، يقول ويضحك.

الخميس، 10 مايو 2012

«فريق» صحافيين عرب في برنامج للتعرف على صناعة القرار الأميركي في واشنطن ونيويورك وغيرهما: الشأن معقد!

                                     معرض فني في أحد شوارع مانهاتن (تصوير ج. ب.)

الجاز مطر خفيف ينهمر بإيقاع، وبلا توقف. 
ساعات مرّت، وهؤلاء الاربعة يعزفونه ويغنونه. لا تغيب الابتسامات عن ملامح جمهورهم الصغير المأخوذ بهم تماماً. عازف الساكسوفون نجم المكان. يرتفع بالموسيقى. يدور بها وتدور به. تطيعه. تذهب معه وتعود. تراقصه بلا غلطة، مع أنه يجازف في ارتجالاته إلى أقصى ما يستطيع. 
في شارع أدامز مورغان، في واشنطن، الملهى الليلي يمرح بالموسيقى. الاربعينية البيضاء الممتلئة تتمايل على غناء حبيبها الاسود. نادراً ما تفتح عينيها. الرجل الاسود النحيل بقربها، يؤدي وحده، رقصاً متصلاً سعيداً. أيوب، الصديق اللبناني، يحكي عن هذا الملهى بصفته المكان الذي قرر أن يخرج عبره من إحباطه الأميركي قبل سنوات، ليبدأ من جديد. من الصفر. يخبر عن «مدامز أورغان» محتفلاً بالملهى العتيق، ذي الجدران السوداء الذي علقت عليه أغراض وصور لا تحصى، بلا سياق. أشياء تكاثرت مع تقدم العمر به ومع استمرار وجوده، هكذا، بلا انقطاع، وبإصرار على إبقائه كما هو، كي لا يخسر هويته. يمكن السؤال عن سنواته، وعن كل الموسيقى التي عزفت فيه. لكن، من يحتاج إلى مثل هذه الأسئلة الآن.. والجاز يطفو في هذا الليل كأحلى، أحلى، ما صُنع في أميركا.


هذه «واشنطن دي سي». صانعة القرار. العاصمة الباردة المملة على ما تُختصر. ليست كذلك. تتلاصق في المدينة المقاهي والملاهي والمطاعم، ملآنة بالناس، جامعيين وغيرهم، ممن يعيشون في مدينة عصرية، بلا ناطحات سحاب، وبأبنية جلها قديم ذات واجهــات مـلونة لا ترتفع عن بضع طبقات. وأرصفة وطرق من الصعب أن يشعر الماشون فيها بضجر، وهم يتفرجون على مدينة بجمال بلا تبجح. فيها البيت الابيض والكونغرس والخارجية والبنتاغون وسفارات العالم وعشرات النصب العملاقة والصغيرة، وفيها ضفة نهر ومحيط جامعة وفيها موسم تفتح زهر شجر الكرز الذي أهدته اليابان لأميركا في أوائل القرن الماضي، وهناك مئات الآلاف ممن يأتون في نيسان من كل عام للانخراط في مهرجان تفتح الزهور. وفيها نحن، الآتين من بضعة بلاد عربــية، نجول في أحد مشمس في واشنطن مع مرشدة سياحية مسنة تأخذنا في رحلة حول معالم المدينة السياحية، ونشاركها أسفها العميق لأن الزهر لم يتفتح كما يجب على كل الاشجار هذه السنة بسبب المناخ.
نجاملها، ولا نفهم ما المؤسف في عدم تفتح كرز واشنطن ما دام فيها، تعويضاً، مثل هذا الهدوء وهذا الشجر. نصل في جولتنا إلى البيت الأبيض وننزل لنلتقط صوراً لنا وهو خلفنا، ولا نخيب امل الدليلة اللطيفة إذ نؤكد لها أن الانطباع الاول عنه هو أنه اصغر مما توقعنا، فهذا ما كانت تنتظر منا أن نفاجأ به. 
آلاف الصور تلتقط عند السياج. يبدو أنه متروك هكذا، بلا حراسة ولا رقابة. وهمٌ لا يُركن إليه، والأمن هوس أميركي حقيقي، تدل عليه تلك الصفوف التي لا تنتهي في المطارات من المسافرين المسكوبين من كل العالم عند نقاط التفتيش. مسافرون يتعاطون بآلية جنود مدربين مع الاجراءات الامنية الواحدة، خالعين أحذيتهم وأحزمتهم، وواضعين كل ما معهم في العلب البلاستيكية التي تختلف شكلا وحجما بين مطار ومطار، بعدما يخرجون منها أجهزة الكومبيوتر المحمولة. وبينما تمر العلب في آلات الكشف، يمضون هم، واحداً بعد الآخر، عبر آلات المسح الخاصة بهم، ثم رافعين سواعدهم عالياً لإعادة تفتشيهم بتلك الاجهزة الالكترونية التي يحملها عناصر مهذبون صارمون تمشي على بعد سنتيمترات من أجسادهم، ليعود الواحد منهم إلى حذائه وحزامه وعلب أغراضه، في مشهد رتيب يتكرر مئات آلاف المرات كل يوم، كئيب بما لا يقاس، حيث انتقال البشر، واختلاطهم يبدأ وينتهي بالريبة. 
الامن يظل مرتاباً، والسياح، إن من حول العالم، أو من قلب الولايات المتحدة، سواءٌ في خسارة الكثير من معنى السياحة، وبراءتها ربما، إذ يخضـعون لإجراءاته التي لــها ما يبررها ولا يبرر ثقل وطأتها. يصير الدخول إلى مبنى الكابيتول حيث الكونغرس لا يستحق كل هذا العناء بالنسبة للعرب. غير أنه ليس كذلك بالنسبة للتلامذة الاميركيين الذين يموجون في أفواج لا يهدأ حراكها. يمشون في مجموعات تشبه المحفوظ عنهم: خليط عرقي هو فخر أميركا الاول بنفسها. تُنحت المواطنة والوطنية، في عقلوهم نحتاً. عرب وأميركيونواشنطن بداية بديهية للبرنامج الأميركي. هذه المجموعة العربية ستترافق لأسبوعين: أستاذ جامعي عراقي وصحافيون وصحافيات، تونسية وجزائري وفلسطينيان جاءا من غزة، ويمني ولبنانيان، الزميلة كرمى خياط من «تلفزيون الجديد»، ومن «السفير» كاتب هذه السطور. دعتنا وزارة الخارجية الاميركية لتعرّفنا على كيفية «صناعة القرار الخارجي في أميركا». العنوان طموح. والمتفائل جداً هو الذي يظن أنه في أسبوعين سيعرف كيف يتخذ الاميركيون قراراتهم في ما يخص بقية الكوكب. كما أن تلقين الاميركيين للعرب خطاباً جاهزاً ومحفوظاً عن أميركا الديموقراطية الاخلاقية المتعددة، هو تلقين من غير منفعة. الغاية الاميركية المعلنة من البرنامج، وهو واحد من عشرات سنوية، هي الدفع باتجاه فهم أفضل لسياسة اميركا. «ليس احترامها ولا الوقوع في حبها» على ما قيل لنا. فقط فهمها. هذا الفهم، أو محاولته على الأقل، دونه ما سيتفق عليه معظم من سنلتقيهم من اميركيين: صناعة القرار الخارجي أمر «معقد». هذا ليس جديداً. لا يوجد سياسة خارجية سهلة أصلاً. وكي نفكك تعقيدات هذه الصناعة، كان علينا أن نصغي إلى الاميركيين، من موظفين حكوميين وعسكريين وأكاديميين وغيرهم ممن يعملون في مؤسسات أبحاث متخصصة تستشار حين اتخاذ قرارات منها، مثلاً، غزو العراق. نسمع ونناقش. 
على أن أميركا المعتدّة بنفسها، لديها ما يكفي من الثقة بأنها ستترك انطباعاً جيداً عنها لدى كل من يزورها. هذا على الارجح، هدف غير معلن لمثل هذه البرامج. أما «تجـنيد العملاء»، فذاك شأن يختلط فيه المزاح بالبوليسية الرديئة، بالكثير من الرهاب من اي شيء يأتينا منها، حتى الذي نبحث عنه فيها، وليس مما توضبه لترسله إلينا. 
الاميركيون لم يشترطوا علينا الامتناع عن نشر مضمون اللقاءات التي نظموها لنا في الاعلام. غير أنهم اشترطوا أن نعلن عن رغبتنا بهذا الخصوص مع كل لقاء، كي يتخذوا المناسب. ومع أن شرطاً كهذا من المفترض أن يريحهم، ظل معظم من قابلناهم على حذر دبلوماسي فائق، مبرهنين عن القدرة التي لا تصدق على التزام عبارات مدروسة، لا تحيد عما يبدو نصاً مكتوباً ومحفوظاً، بخاصة الموظفين منهم، في الجيش أو في الخارجية أو في بعثة الولايات المتحدة في الامم المتحدة. حذرٌ ليس جديداً عليها، لكنه يظل أحد مفارقات هذه الديموقراطية. 
من البداية، كنا فريقاً ضيفاً في وجه فريق مضيف. فريق عربي (على الرغم من أن التسمية الرسمية للبرنامج تخصص ضيوفاً من «الشرق الادنى وشمال أفريقيا») وفريق أميركي يتبدل بتبدل المواعيد. في الخارجية الاميركية يستقبلنا وجه فتي ومبتسم لشابة تتحدث العربية الفصحى بطلاقة. «إيريكا» ليست من جذور عربية بل إيطالية. اعتناؤها بنا، في الساعتين المقبلتين، سيكون تدريباً لها، هي التي في طريقها إلى مهمتها في بعثة دبلوماسية في بلد عربي. 
من بين كل اللقاءات، كانت «الخارجية» هي الطاولة الافضل لطرح الهواجس العربية. الفريق العـربي لا يلعب بالضرورة لعبة جماعية. الزميل اليمني غادر بلاده الضاجة بالاعتصامات، وهو برهن منذ الساعات الأولى عن وطنية يمنية شديدة، تكاد لا ترى جمهورية أخرى تحت الشمس غير جمهورية اليمن السعيد. 
الاكاديمي العراقي لديه أسئلته العراقية بدوره. كرمى خياط لديها مجموعة من الأسئلة التي لن تكل عن ملاحقة الاميركيين بها حيث التقتهم، تتمحور بالطــبع حـول الصراع العربي الاسرائيلي والانحياز الاميركي الدائم والمتواصل لإسرائيل، تواجه به كرمى موظف الخارجية الكبير بلا أي تنميق. السؤال البديهي نفسه، سيُطرح لفهم سببه، أخلاقياً وبراغماتياً وحتى بحثاً عن مصلحة اميركا نفسها، أو لمجرد فهم هذه العلاقة السيامية بين أميركا وإسرائيل، ولا جدوى. لا في الخارجية ولا في غيرها. 
الزميلان الفلسطينيان لا يحتاجان إلى جهد يذكر لمواجهة الاميركيين بما تفعله إسرائيل. يمكن لأحمد أن يخبر عن مشاق خروجه من غزة عن طريق المعابر الاسرائيلية وربط هذا الخروج ببديهيات الحقوق. ويمكن للثاني أن يدعمه بأن يكرر مرة بعد مرة ذاك الخطاب الواضح المباشر والصريح والمطلوب دائماً، والذي يؤكد على الحق الفلسطيني ويؤكد على الجريمة الاسرائيلية المتواصلة. 
لا جواب عن السؤال الإسرائيلي الا ذاك الذي يبدو فيه الاميركي مضطراً إلى الدفاع. الاجابة الغالبة هي هذه: قوة aipac (ايباك) اللوبي الاميركي الداعم لإسرائيل الذي قد يكون حجمه لا يقاس بالنسبة إلى مجموعات الضغط الاقتصادية الأخرى، لكنه يعرف كيف يجعل أعضاء الكونغرس، نواباً وشيوخاً، إلى جانبه، عبر ذاك الدعم اللامحدود لهم لإيصالهم إلى مقاعدهم على أن تكون أصواتهم في صالح اسرائيل حين تحتاج إلى أصواتـهم. معظم هؤلاء لا يكترثون بالسياسة الخارجية بل لا يعلمون عنها أصلاً. ماذا ايضاً؟ لا بد أن لإسرائيل، شبه الولاية الاميركية، حاجة هي أبعد من مجموعة الضغط هذه. أميركا ليست على هذه الدرجة من البساطة. على الاقل لم تكن كذلك يوم كانت اسرائيل تؤدي دورها على أكمل وجه أيام الحرب الباردة، وما زالت. هذا جدال مختلف. 
لم يلتق العرب والاميركيون لمرة في الموضوع الاسرائيلي. هم يطلقون عباراتهم القصيرة المبهمة في الغالب، والتي تركز على تشديد أميركا على العملية السلمية، ونحن نلقي بكل حججنا من السياسية إلى الإنسانية البحتة، التي فيها ما درجت اسرائيل على القيام به، أي قتل الاطفال، في لبنان كما في فلسطين. هم يصغون. وينتهي الوقت بلا التقاء. «إيريكا» التي حرصت على الا نبقي أي اجهزة تسجيل أو تصوير معنا في اللقاء في الخارجية، تعلن أن الوقت انتهى، في خضم نقاش انسقنا، نحن العرب، إليه مهاجمين، ليس لأن الذي في وجوهنا يملك حلولاً، بل لأن لدينا كلاماً كثيراً وها نحن نريد أن نقول كل ما لدينا. الشابان الفلسطينيان لديهما أرشيف كامل عن سياسة الانحياز الاميركي وانعكاساته على المنطقة. و«إيريكا» ستؤكد أن «أهلاً وسهلاً بكم»، لكن الوقت تقريباً انتهى. 
الاميركيون عناهم أن يضيئوا على حراك خارجي يتخطى السياسة والحروب إلى الجوانب الإنسانية. نحن نصغي، في المقابل، لكننا لا نهتم. أميركا ليست الام تيريزا. هذا درسها الاول للعالم. النقاش يبدأ بعد هذه النقطة. لن نصل إلى نتيجة، غير أن ما باليد هو التذكير بأولويات الدول العربية، التي يرتفع منسوب اعجاب الاميركيين بشعوبها في هذه الايام، وهم يتابعون قيامها في بلد تلو الآخر. ولا نجد بينــهم من يحاول الإيحاء بأن لدولته يداً ما فيه. يسألوننا عن مصر وتونس وسوريا واليمن والبحرين وليبيا. عثمان، الزميل الجزائري، يحكي عن تجربته في تونس هو الذي غطى الثورة هناك. يدلي بتحليلات متماسكة، بلا عواطف ولا شعارات. يصغون باهتمام شديد. الحراك العربي، بعد تلك العقود العجاف، يبدو، على قسوته وصعوبته، وبديهية مطالبه مقارنة بالغرب، مدعاة لفخر الذين اختصروا ظلماً بأنهم لا يجيدون سوى تخطيط وتنفيذ يوم سئ الذكر، كيوم 11 أيلول. بنتاغونفي «البنتاغون»، وقبل اسبوعين تقريباً على اعلان الرئيس الاميركي باراك اوباما عن قتل اسامة بن لادن، تتكثف مشاعر الموظفة الأميركية فيه، كذلك تتكثف المشاعر العربية. هي، دون غيرها من الجنود الذين يقدمون الشروحات لزائرين آخرين عما حدث يومها، تشرح لذوي الجلد العربي هؤلاء، ما الذي فعله ابن جلدتهم، وصحبه، في ذاك اليوم. نتفــرج كغــيرنا، ونكون كاذبين إذا تبرأنا تماماً من «11 ايلول». أن تكون عربياً في أميركا، فهذا ليس شعوراً. هذه حقيقة تلازم الواحد دائماً، وتتجلى في تلك الاماكن الحساسة، كالمطارات والبنـتاغون، وغيرها حيث سيظل يشعر أنه هو، دون غيره، المشبوه به. 
في البنتاغون، يحكي الضباط عن مهام للقوات المسلحة الاميركية في نــشر الديــموقراطية أو في العمل الإنساني. وما لم يكن مقنعاً في الخارجية لن يكون مقنعاً في هذا المبنى المخمس الاضلاع. هنا أيضاً، يضطر الامــيركيون إلى الدفاع عما يقومون به خارج حدود ولاياتهم المتحدة. 
لا إجابة عن السؤال المقابل، عما كانت تفعله الولايات المتحدة الاميركية في كل تلك البلاد المكتوب اسمها على قاعدة نصب لا شك اننا رأيناه لمرة واحدة على الاقل في حياتنا على الشاشة. نصب لجنود يجهدون للحفاظ على الراية الاميركية مرفوعة. على قاعدته نقرأ اسماء البلاد التي كان الجيش الاميركي فيها. لبنان، ذو المساحة والحجم اللذان يكادان لا يؤخذ بهما جدياً، يتكرر مرتين على الحجر الاسود اللامع لهذه القاعدة. كذلك كل بلاد حروب اميركا الاخرى. المخيف أن معظم قاعدة النصب العملاق، ما زالت خالية. العربي منا الذي ورد اسم بلده على القاعدة، يشير إلى الاسم بملامح من يستفهم مستغرباً لتلتقط له الصورة. 
البقية تتابع التقاط الصور، للذكرى، حيث الخلفية دائماً أكثر أهمية بكثير من الملامح التي نلجأ إليها من دون ارداتنا، وفي ظننا أننا هكذا سنكون ملائمين للصور. 
واشنطن ستكون فرصة للقاء أصدقاء لبنانيين كثر. على شرفة الملهى الليلي، وحول طاولة خشبية، يحتفل اللبنانيون المقيمون بضيفيهما الزائرين. يمشي الكلام سهلا بين وفاء وفادي وحسين ورانية ورائد والزائرين.. ولا ينتهي. واشنطن في هذه اللحظة من الليل، تخلط بين مدينتين وبين عالمين. فادي لا يقارن. يبدو من القلة التي تجد ما تريد حيث حلّت. هكذا، يستطيع أن يسخر، بلسانه السليط، من «الاماكن السياحية التي أخذوكم إليها»، ويمكنه في الآن نفسه، ان يشرح عن روائي اسود من واشنطن، وعن بعض من تاريخ المدينة، وعن الجـاز بالطبع. لوهلة، يبدو غريباً كم أن ابن صيـدا منتم إلى هذا المكان البعيد عنه بكل المقاييس. ويبدو ابن مدينة يحبها ويعيشها ويصر على أننا لم نتعرف عليها بعد، ولا بد لنا أن نمدد بقاءنا في الولايات المتحدة كي نعود لنمضي بضعة ايام اخرى في واشنطن، لنجول في شوارعها ونجرب مطاعمها وملاهي الموسيقى فيها. فادي، من حيث لا يدري، يبدو مدينياً أميركياً، مع أنه مسيّس حتى أطراف أنامله. حتى أرنبة أنفه العربي العنيد. 
من واشنطن، ستستقل المجموعة العربية الصغيرة باصاً ينقلها إلى نيويورك. تكون بعد ايام واشنطن، كسرت الكلفة بينها بجهد محمد، المترجم الاميركي المرافق من اصل اردني. الاربعيني الذي رسمت أميركا ابتسامة عريضة على محياه، لا يكف عن الغناء، وعن تحفيز الآخرين عليه. هكذا، وطوال خمس ساعات بين واشنطن ونيويورك، سيغني العرب أغانيهم المصرية واللبنانية والعراقية، عابرين أكثر من ولاية، متخففين من اجراءات أخرى، في مطار آخر، حيث من المستحيل إلا ترد صورة البرجين، والطائرتان ترتطمان بهما، واحدة بعد الاخرى. 
نصلها ليلاً، هذه المدينة. 

                                                   New York, New York 


من لحظاتها الأولى ليلاً، من العبور إليها في منتصف نفق، نعلم أن خمسة أيام لن تكون كافية لنيويورك. كيف ما التفتنا، رأينا تلك المجموعة المتراصة من الناطحات غير المستوية لا طولاً ولا عرضاً ولا شكلاً، تشكل في مجموعها جبل بابل العظيم هذ، المتجه بإصرار صوب السماء. ما لن نراهما، هما ما كانا أعلى بكثير من كل هذه الأبنية العملاقة. 
لنيويورك رهبة تسبقها. رهبة شوارعها المكتظة و«تاكسياتها» المتزاحمة ابداً على أحقية المرور، تتنافس على اطلاق الابواق كما لو أنها في بيروت. رهبة أنها مدينة المدن. خلاصة فردية المرء، وخلاصة كهف وحشته المخيف. نيويورك التي ندخل إليها آمنين لأن تفاصيل زيارتنا إليها ليست متروكة للصدف، وأننا لسنا مضطرين لأن نتدبر أمر أنفسنا فيها. 
نصل الفندق بعد يوم وليل طويلين. الغرفة حديثة، على العكس من فندق واشنطن التاريخي يكاد السرير فيه يحتاج إلى سلم للوصول إليه. الجدار الزجاجي يطل على ورشة بناء عملاقة. الآلات تضج، للغرابة، في الحادية عشرة ليلاً. إذا كان الامر كذلك، فلا شك أن الاقامة هنا ستكون مزعجة. على أن الوقت قليل، وينبغي أن نستغله. هكذا ننزل لنمشي، وأول ما نلتقي به، على بعد شارع من الفندق، جدارية من معدن تروي بطولات رجالات الاطفاء في 11 ايلول. جدارية على بعد أمتار من الورشة التي يلتقط سياح الصور بجانب سياجها. الفندق، إذاً، يطل على الـ«غراوند زيرو». هنا كان البرجان. كانا يقفان بين النافذة وبين مجموعة الناطحات التي بعضها من زجاج وبعضها الآخر من حجر. هكذا إذاً. سنمضي ايامنا أقرب ما يكون إلى قلب حدث نيويورك الذي من الواضح أن لا نيويورك ولا أميركا مستعدتان لنسيانه، بدليل هذا الحج السياحي الذي سيستـمر خلال أيامنا فيها، والتي لو شاءت الصدف أن تدفع في الزمن قليلاً الى ما بعد الاعلان عن قتل بن لادن، لرأينا باراك اوباما يحتفل بنصره هنـا، في المساحة التي تذكرها اعلام العالم كله، وراح يبث الصور منها. 
غير أن نيويورك تخطت 11 ايلول، يقول نبيل، الصديق اللبناني. تخطت وليس بالضرورة نسيت يوم القيامة فيها. نيويورك باتت في مكان آخر غير الغرواند زيرو الذي يرتفع فيه حتى الآن مبنيان من أصل المخطط المعد له. 
هنا، في البرد المقبول، المشي ادمان لا بد منه لكي يقول المرء إنه زارها يوماً. المشي لساعات، حيث الارصفة وواجهات المحال تجربة، وحيث عبور جسر بروكلين من مانهاتن إلى بروكلين، مع آلاف السياح، تجربة. وحيث تايمز سكوير، التي تمتد على ابنيتها تلك الشاشات التي تبتلع المستهلكين، وترميهم، فرحين، في قلب الاعلانات، حيث اللقاء السعيد للجزائري بالجزائري، أو المقطوع بسرعة للبناني بالبائع الاسرائيلي ما ان يكشف هذا عن هويته جذلان بلا مبرر بـ«جيرانه»، حيث نصب عازف بيانو في هارلم. هنا، وهنا فقط، يبدو المكان اختباراً متواصلاً للمشاعر وللأفكار. 
اسفل هذه الناطحات، لا مفرّ من الإحساس بضآلة الحجم، وبألم العنق، لمن يظل مذهولاً، ملتفتاً إلى أعلى. سحر نيويورك الحقيقي هو في مستوى النظر. لا مدينة أخرى في أميركا ربما، على هذا القدر من الانهاك. تكاد شوراع بيروت تكون افضل حالاً من شوارعها ومن ارصفتها، هي التي لا تتوقف أعمال الصيانة فيها. هذه مدينة يحتاج الخروج منها، كما الدخول إليها، في اوقات محددة من اليوم، إلى ساعات. مواقف السيارات تعلن عن نفسها كأنها مسارح، وأبناؤها يفضلون ان يكونوا بلا سيارات. لا تبدو أنها مهتمة بسياحها، ومع ذلك، فهم فيها بأعداد لا تحصى. تائهون فيها. وليس ما يشي بصفتهم هذه إلا إذا تلفتوا متفرجين. ليست اللغـة عائقاً دون أن تكون نيويوركياً. لغات العالم كله تسمع هنا. ومن يُجد التواصل مع سائقي سيارات الاجرة، فسيجيد التواصل مع أي كان. وإذا كان نادراً ما تلتقي سائقاً من البلد نفسه مرتين، فمن المستحيل ألا تكون الرحلة في السيارة الصفراء مناسبة لحوار خفيف يبدأ بالهند ويمر ببلاد العرب ويصل إلى أميركا. حوار قد يفتحه السائق نفسه حين يرحب بزبائنه بـ«السلام عليكم» التي لا يعرف غيرها، هو الهـندي المستعد، كواحدة من خدمات سيارة الاجرة التي تفوح فيها رائحة الوقود غير المحروق، لأن يؤدي أي عبارة عربية او انكليزية تقولها له بلحن هندي «حزين»، لا تملك إلا أن تمضي طوال الطريق ضاحكاً له. 
بعد قليل من نيويورك تصير الناطحات مشهدا يلحقك حيث تحل، وهو مشهد لا يثير إلا الضجر. حياة المدينة تجري أسفل هذه الناطحات. تنوعنا، نحن البشر، يبلغ هنا أقصاه. تكاد البشرية كلها، بكل افكارها ومعتقداتها واحلامها وكوابيسها، موجودة في المدينة التي تعيش تناقضاتها كلها، هي المتسامحة إلى حد غير مسبوق، وهي القاسية بشدة. هي المزدحمة بالحياة، وهي التي يمكن للواحد أن يعيش ويموت فيها بلا أن يكون له صديق. هي التي يأتيها حسين بالباص من واشنطن، من أجل مطعم للسمك بعينه ينتظر زبائنه ساعات حتى يأتي موعدهم، وهي التي تدفع الزميل الفلسطيني الى المقارنة بينها وبين غزة، وهو يشاهد العرض المسرحي الراقص في برودواي والقطاع في أصعب حصاره، وفي اصعب حزنه. 
هي التي لا تبدو بعيدة، ونحن نمشي في مطرها بفرح، وهي التي نكاد نفهم مشاعر التماثيل في المعرض الفني على رصيف عريض قريب من مبنى الامم المتحدة، حيث التماثيل البنية تواجه التماثيل الفضية، بتحد حيناً وبلا فهم حيناً آخر، وبيأس في أحيان كثيرة، من فهم هذه الحضارة التي يمكنها ألا تبعث في النفس إلا الوحشة العميقة بالقدر نفسه الذي تبعث على عقيدة اعتناق المتعة والمرح اسلوب حياة. 
في نيويورك، تعقد لقاءات على هامش الوقت المفتوح للسياحة، تبدو ثانوية. نجول في المبنى المرهق للأمم المتحدة، كما نعقد لقاء في بعثة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة، لا يبقى منه الكثير في الذاكرة غير ما بتنا نعرفه عن التزام أميركا بحليفها. 
في الشوارع، في ليل المدينة وفي نهارها، تلتبس التجربة بالتباس المشهد: هل رأينا هذا من قبل؟ هل نيويورك التي في السينما عالقة في الذهن إلى هذه الدرجة؟ 
هل لهذه المدينة بحق، كل هذا السحر الغرائبي؟ أم هي المبالغة التي يقع فيها الغريب؟ فلوريدافجراً، نصطف في المطار. كالماشين في نومهم، يمشي الناس هنا، يخلعون أحذيتهم تباعاً، لا أحد منهم يفكر بما يفعل. الطائرة ستحمل العرب إلى الولاية الثالثة، فلوريدا. تامبا التي تقع على الخليج تبدو مكاناً مثالياً لكل ما هو نقيض لنيويورك. فيها سيختتم البرنامج بجولة على بضع مؤسسات اعلامية، منها اذاعة لا تبغي الربح وممولة من المجتمع المحلي. هي تهتم بأخبار العالم كله، وبموسيقاه. بينما نجول في أرجائها، سنسمع موسيقى مارسيل خليفة. يتبين انها ترافق برنامجاً اخبارياً عن ليبيا. يبدو الصحافي الاميركي منفتحاً على قضايانا ومتفهماً لنا، ويفرّق بين الشعب وبين ما تريده الحكومة. في لقاء آخر في مكان آخر، يسوق المدوّن حججاً غريبة في دفاعه عن العلاقة بين اسرائيل وأميركا: يعيدها حيناً الى تلك الجذور الدينية وحيناً آخر إلى ما ليس لنا ذنب فيه، وهو صورتنا الشريرة في السينما الاميركية، ليصل، بوقاحة إلى القول إن الاسرائيليين، على عكسنا، لا يفجرون الطائرات، مؤكدا، في تعميماته أن هذا ليس رأيه، بل ينقل لنا حقيقة موجودة.. ويقرر، فجأة، أن علينا أن نكون أكثر ديموقراطية لكي تشعر أميركا أننا نشبهها، مما يجعل متابعة الحوار معه اضاعة للوقت. 
يحبطنا اللقاء ونحن على أبواب اختتام رحلتنا. نحمل إحباطنا إلى آخر لقاءاتنا مع صف جامعي في العلوم السياسية. هناك، تنقلب الصورة ونحن نجيب عن اسئلتهم العديدة حول ما يحدث في العالم العربي. نقدم شروحاً وافية لأسئلة دقيقة من شابات وشبان مطلعين على ما يحدث ومهتمين بدور المواقع الإلكترونية الاجتماعية. وحين تسألهم كرمى عن اهتمامهم كأميركيين بما يدور خارج بلدهم، يضحكون بما يشبه الخجل، ويعترفون بما نتهمهم به طوال الوقت: الاميركيون لا يكترثون بما يجري خارج حدودهم. يطرحون عشرات الأسباب، منها ثقتهم بحكومتهم إذ تأخذ على عاتقها هذا الشأن المعقد بالنسبة إليهم. 
مع ذلك، فإن اثنتين منهما تشرحان عن اهتمامهما بالقضية الفلسطينية. وكثر منهم يوقفون ضيوفهم بعد انتهاء الصف لمزيد من الاستفسار. 
في اليوم ما قبل الاخير، يجول اليخت بالعرب في بحر رقيق وصاف، فيغنون ويمرحون ويبتسم الزميلان الفلسطينيان قبل ان يكتشفا ان بعض التفاصيل تغيرت في رحلة عودتهما، بسبب اجراءات الامن عند المعابر الاسرائيلية فبات عليهما ان يمضيا يومين اضــافيين في الاردن، قبل ان يعبرا من الضفة إلى غزة. الحياة ليست سهلة عموماً، وليست سهلة على الفلسطيني بخاصة. 
صباح اليوم الأخير، يأخذنا ستيف، السائق الاميركي، إلى المطار. يتفرق العرب كل إلى بلده. وفي ما يشبه الوداع، يقول لنا ستيف إنه تعرف على كل الجنسيات في خلال عمله. وقد بات على يقين بأن كل الشعوب متشابهة وكلها لطيفة ومحبة. وأن الحكومات هي التي تخترع الخلافات بين الناس. 
«رافقتم السلامة» يختم، في ما يشبه رسالة أخيرة غير رسمية من الدولة التي استضافتنا لاسبوعين لكي نفهمها، فقلّ جهلنا بها بعض الشيء، وازدادت، بالتالي تعقيداً. 
نسلّم الحقائب، ونمضي إلى التفتيش.